هو الاسم الذي إذا سمعه القلب، خضع وسكن، وإذا تذكّره العبد، علم أن لا قوة إلا بالله، ولا سلطان فوق سلطانه، ولا أمر يمضي إلا بإرادته، فهو الاسم الذي إذا مرَّ على القلب، انحنت له الأرواح خضوعًا، وشعرت النفس بطمأنينةٍ غامرةٍ لا يعرفها إلا من انكسر بين يدي ربّه.
المعنى
الجبّار في اللغة مأخوذ من الجَبْر، وهو الإصلاح بعد الكسر، فهو الذي يجبر المكسور، ويُغني الفقير، ويقوّي الضعيف، ويُعيد للقلب توازنه بعد انكساره، كما يُعيد للعظم قوّته بعد كسره.
لكن الجبروت في حق الله تعالى ليس كجبروت المخلوقين، فجبروتهم ظلم، أما جبروته عدل ورحمة، كما أن الجبّار هو العالي فوق خلقه ذاتًا وقهرًا وقدرًا، يُدبّر الكون بما شاء، لا يُمانع أمره أحد، ولا يعارض إرادته مخلوق، فإذا قال: كن، كان.
قال النبي ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدةً، يتكفّؤها الجبّار بيده كما يتكفّأ أحدكم خبزته في السفر».
حديثٌ يملأ القلب مهابةً وخشوعًا، فمن الذي يمسك الأرض كلها في كفّه؟ ومن الذي يطوي السماء طيّ السجل للكتب؟ إنه الجبّار الذي لا يُقهر، ولا يُمانع أمره أحد.
فالجبار هو سبحانه العالي فوق خلقه، يسمع نجواهم، ويرى أعمالهم، قريبٌ بعلمه، محيطٌ بسرّهم وعلنهم.
وهو الجبّار بالقهر، الذي يخضع له الجبابرة رغم أنوفهم، فما من قوّةٍ إلا وهي خاضعةٌ لقوّته، ولا من سلطانٍ إلا وهو جزءٌ من سلطانه.
وهو الجبّار بالرَّحمة، الذي يُرمّم قلوب عباده حين تتكسر، ويُقيم المنكسرين بلطفٍ عجيبٍ لا يُرى إلا في آثار قدره.
الخلاصة
الجبار له ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول: أنه عز وجل يجبر الكسير ويجبر الضعيف.
المعنى الثاني: أنه جبار بقهره؛ أي: قوي قاهر جبار.
المعنى الثالث: جبر العلو، فالجبار يعني: العلي، وهو أنه سبحانه فوق كل شيءٍ.
آثار الإيمان باسمه الجبار
أن تتعلّم الخضوع
فلا يتعاظم في قلبك كبر، ولا يعلو فيك غرور، فمن علم أن الله هو الجبّار، علم أن كبرياء المخلوق هباء.
أن تثق بعد كل انكسار
أن هناك جبرًا ينتظرك من ربٍّ اسمه الجبّار، فكما يجبر العظام المكسورة، يجبر القلوب الموجوعة، يجبرك حين تنكسر، ويُقيمك حين تنهزم.
أن ترى العدل في القهر
فحين يُغلق الله بابًا أو يُنزل بلاءً، فذاك جبروته في تربيةٍ خفيّة، يُعيدك إلى الطريق الذي فيه صلاحك، ولو بعد ألم.
أن تمتلئ مهابةً وتعظيمًا
لأنك تقف بين يدي من لا يُردّ له أمر، ولا تُدرك الأبصار جلال سلطانه، ولا يملك أحد أن يقول له: لِمَ؟ وكيف؟
أن تخضع لله وحده
فلا يأسرك جبروت أحد من خلقه، لأنك تعرف الجبّار الحقيقي الذي بيده كل سلطان، وهذا نور التوحيد لأنك حين تعرف الجبّار، لن تخضع إلا له.
انكسر ليجبُرك
انكسر لله… لا للناس.
انكسر بذنوبك لتُطهَّر، وبحاجتك لتُغنَى، وبحبّك لتُرفع.
إنه لا يردّ المنكسرين على بابه، بل يجبرهم جبرًا يليق بجلاله، يرفعهم من تراب الذلّ إلى نور القرب، ومن ضيق النفس إلى سعة الرضا.
الجبّار لا ينسى عبدًا بكاه، ولا يترك قلبًا قصده.
دعاء الجبر
لا يوجد في الشرع دعاءٌ مخصوصٌ باسم الله “الجبّار” عن النبي ﷺ، ولكن يُشرع للمؤمن أن يدعو الله بهذا الاسم الجليل في المواضع التي تناسب معناه، فيتوسل إلى الله بجبروته في جبر الكسر، وردّ الضعف، وتثبيت القلب على الطاعة.
ومن أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا الباب:
يا جبّار السماوات والأرض، اجبر قلبي إذا انكسر، واجبرني على طاعتك إذا ضعفت، واجعل جبروتك رحمةً ترفعني لا بلاءً يكسِرني، واكتب لي من لطفك ما يجبرني بك عن كل ما كسَرني.
